فخر الدين الرازي

305

القضاء والقدر

إن تعد أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث خلال في معانيها إما تفرد مولانا بصنعتها * فاللوم يسقط عنا حين تأتيها أو كان يشركنا فاللوم يلحقه * إن كان يلحقنا من لائم فيها وإن لم يكن لإلهي في جنايتها * فعل فما الذنب إلا ذنب جانيها ى - ونقلوا : أن النفس الزكية : محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب : قبل الاعتزال عن واصل بن عطاء . فقال أبوه عبد اللّه يوما : يا ولدي أنت كامل في كل شيء لولا أنك تقول بالقدر . فقال النفس الزكية : أيها الأب أتلزمني على فعلي ، أو على ما خلق اللّه في جبرا وقسرا ؟ فإن كنت تلزمني على فعل صدر عني ، فهذا هو مذهبي . وإن كنت تلزمني على فعل خلقه اللّه في جبرا وقسرا . فما ذنبي ؟ قالوا : فتفكر عبد اللّه في كلام ابنه ، وانتقل إلى مذهبه . واعلم : أن أصحابنا حكوا عن هؤلاء الأكابر ، ضد ما حكاه المعتزلة . أ - فروى القاضي أبو بكر في كتاب « الهداية » : أن عمر بن الخطاب خطب فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر في تحميده : « من يهدي اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل اللّه فلا هادي له » والجاثليق « 1 » بين يديه ، فأنكر « الجاثليق » ذلك بلسانه . فقال : ما يقول ؟ فقالوا : يزعم ؛ أن اللّه يهدي ولا يضل . فقال عمر : « كذب عدو اللّه ، بل اللّه خلقك ، وهو أضلك ، وهو يدخلك النار » . ب - وروي أيضا عن الشعبي عن علي رضي اللّه عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة . فقال : « ليس منا من لم يؤمن بالقدر ، خيره وشره » . ج - وقد اشتهر عن علي رضي اللّه عنه أنه حين أراد حرب أهل الشام . قال : شمّرت ثوبي * ودعوت قنبرا قدّم لوائي * لا تؤخر حذرا لن يدفع الحذار * ما قد قدرا قال القاضي أبو بكر - رحمه اللّه - هذا تصريح منه بأنه لا ينفع حذر من قدر . د - وقال كعب بن زهير في قصيدته المشهورة في مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » :

--> كثيرة فيها كتب المنطق وهو شاعر وله قصيدة على روي واحد وقافية واحدة أربعة آلاف بيت . وخرج في آخر عمره إلى مصر وأقام فيها بقية عمره وله مناظرات كثيرة إلا أن في كلامه طولا . . . » ( طبقات المعتزلة ص 92 - 93 ) . وانظر وفيات الأعيان لابن خلكان 3 / 91 - 93 ) وتاريخ بغداد 10 / 926 . ( 1 ) الجاثليق لفظة يونانية معربة تعني مقدم الأساقفة ( المعجم العربي الحديث ص 372 ) . ( 2 ) من قصيدة كعب بن زهير التي مطلعها « بانت سعاد » . أنظرها في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي - بتحقيق علي فاعور - ص 369 .